صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

4644

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

الإنسان ، والجود اسم للفعل الصّادر عنها ، وإن كان قد يسمّى كلّ واحد باسم الآخر ، وأمّا العادة فاسم لتكرير الفعل أو الانفعال ، وبها يكمل الخلق ، وليس للعادة فعل إلّا تسهيل خروج ما هو بالقوّة في الإنسان إلى الفعل « 1 » . بين الخلق والتّخلّق : قال الرّاغب : الفرق بين الخلق والتّخلّق أنّ التّخلّق معه استثقال واكتئاب ويحتاج إلى بعث ، وتنشيط من الخارج ، والخلق معه استخفاف وارتياح ولا يحتاج إلى بعث من خارج ، والتّخلّق ضربان : الأوّل : محمود ، وذلك ما كان على سبيل الارتياض والتّدرّب ، ويتحرّاه صاحبه سرّا وجهرا على الوجه الّذي ينبغي ، وبالمقدار الّذي ينبغي . الثّاني : مذموم ، وذلك ما كان على سبيل المراءاة ، ولا يتحرّاه صاحبه إلّا حيث يقصد أن يذكر به ، ويسمّى ذلك رياء ، وتصنّعا ، وتشيّعا ، ولن ينفكّ صاحبه من اضطراب يدلّ على تشيّعه ، وعلى ذلك قول عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - : « من تخلّق للنّاس بغير ما فيه فضحه اللّه - عزّ وجلّ - « 2 » » . هل يمكن تغيير الخلق السّيّىء إلى خلق حسن : يقول الجاحظ ما خلاصته : إنّ الأخلاق المذمومة موجودة في كثير من النّاس ، غالبة عليهم ، مالكة لهم ، بل قلّما يوجد فيهم من يخلو من خلق سيّىء أو مكروه ، ويسلم من جميع العيوب ، ولكنّهم يتفاضلون في ذلك ، وكذلك في الأخلاق المحمودة قد يختلف النّاس ويتفاضلون ، إلّا أنّ المجبولين على الأخلاق الحسنة قليلون جدّا ، وأمّا المجبولون على الأخلاق السّيّئة فأكثر النّاس وما ذلك إلّا لأنّ الإنسان إذا استرسل مع طبعه ، ولم يستعمل الفكر ولا التّمييز ، ولا الحياء ولا التّحفّظ ، كان الغالب عليه أخلاق البهائم ، لأنّ الإنسان إنّما يتميّز على البهائم بالفكر والتّمييز ؛ فإذا لم يستعملهما كان مشاركا للبهائم في عاداتها ، ولمّا كان النّاس مطبوعين على الأخلاق السّيّئة منقادين للشّهوات الرّديئة ، وقع الافتقار إلى الشّرائع والسّنن ، والسّياسات المحمودة « 3 » ، ولكن ، هل يمكن للإنسان أن يغيّر خلقه ؟ على هذا التّساؤل أجاب الإمام الرّاغب فقال : اختلف النّاس في الخلق فقال بعضهم : هو من جنس الخلقة ، ولا يستطيع أحد تغييره عمّا جبل عليه إن خيرا وإن شرّا كما قيل : وما هذه الأخلاق إلّا غرائز * فمنهنّ محمود ومنهنّ مذمم ولن يستطيع الدّهر تغيير خلقة * بنصح ولا يسطيعه متكرّم « 4 »

--> ( 1 ) الذريعة إلى مكارم الشريعة ( 114 ) . ( 2 ) المرجع السابق ( 122 ) ( بتصرف ) . ( 3 ) تهذيب الأخلاق للجاحظ ( 120 ) . ( 4 ) هذا الرّأي واضح البطلان لأن إرسال الرّسل وتشريع الشرائع إنما يستهدف في المقام الأول تغيير الأخلاق السيئة إلى الأخلاق الحميدة ، وإذا كان الدهر هو الذي لا يستطيع ذلك فهو صحيح ، ولكن من قال بذلك ؟ إنّ الذي يستطيعه فعلا هو الأخذ بمنهج اللّه والسير على سيرة المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، أوليس الحلم بالتّحلّم والصبر بالتصبر ؟ !